من بائع اعلاف الى احد اهم ملاك الهجن .. قصة من الواقع

 في الأطراف الشرقية لمدينة تبوك، حيث تتماس رمال الصحراء الكبرى مع حواف العمران، كان "صالح" يجلس كل مساء خلف غرفة طينية قديمة يراقب أضواء المدينة المطمئنة من بعيد. لم تكن المسافة الفاصلة بينه وبين تلك الأضواء سوى بضعة كيلومترات، لكنها في نظره كانت تجسد المدى الكلي بين الأمان والشظف.

قصة حقيقية من ارض الواقع


قبل ثلاث سنوات، لم يكن صالح سوى تاجر بسيط في حراج تبوك القديم. دخل في شراكة تجارية متسرعة لم يدرس مخاطرها، فتهاوت أحلامه سريعاً تحت وطأة تعثر السداد، لتتحول الديون إلى قضايا، وتتحول الأحكام الشرعية الصادرة بحقه إلى سجن كبير يحيط بحريته، مهددة استقراره ومستقبل أسرته. كان كل صوت سيارة تقترب من منزله يثير في نفسه الرعب، وكل اتصال تلفوني برقم غير معروف يحمل معه نذير تنفيذ حكم جديد.

كان الخيار الوحيد أمامه هو الخروج التام من النطاق التقليدي للمدينة، والبحث عن عمل في المساحات المفتوحة حيث تصمت ضوضاء المحاكم وتعلى لغة العمل الشاق. وجد ضالته في ميدان الهجن بتبوك، ذلك العالم القائم على الصبر، الفراسة، والشغف بالإبل.

بداية الطريق: غبار الأعلاف وساعات الفجر

لم يدخل صالح عالم الهجن من أبوابه الواسعة، بل من أصعب محطاته. بدأ يعمل مقاولاً بسيطاً لنقل الأعلاف؛ يشتري برسيم الجوف وشعير المزارع بحصص مجمعة، ثم يقوم بتوزيعها على "عزب" ملاك الهجن المنتشرة حول الميدان.

كان يومه يبدأ قبل آذان الفجر بساعتين. يمتد جسده على شاحنة قديمة استأجرها بنسبة من الأرباح، ينتقل بها بين المزارع والميدان، يحمل بطلائع يديه أكياس الشعير وحزم البرسيم. لم يكن يعيبه تلوث ثيابه والغبار المحيط به؛ فقد كان يرى في كل حزمة يعيد بيعها خطوة واحدة نحو سداد ريشتين من ديونه المتراكمة.

في هذا المضمار، لاحظ صالح أمراً أساسياً: ملاك الهجن لا يساومون على الجودة. الهجن الأصيلة تحتاج إلى غذاء متوازن، دقيق، وموقوت. بدأ صالح يدرس أنواع الأعلاف بعناية، يتعلم فرق الجودة في طعم البرسيم ونسبة رطوبته، ويحرص على تسليم الطلبات في موعدها تماماً دون تأخير. خلال عام واحد، أصبح اسمه مرادفاً للالتزام بين ملاك الإبل، وحصل على ثقة كبار المربين في تبوك.

من مقاول إلى مضمر وملاك

لم تكن مكاسب الأعلاف تذهب للرفاهية، بل كانت تقسم بصرامة: جزء لسداد أقساط الأحكام الشرعية عبر آلية التنفيذ الرسمية، وجزء آخر لتطوير عمله. ومع استعادة جزء من استقراره المالي، بدأ صالح يطيل المكوث في عزب الهجن بعد تسليم الأعلاف.

تعلم لغة الإبل؛ عرف كيف يقرأ عيون السلالات الأصيلة، وكيف يميز "السبوق" من نظرتها، وقوة جفنيها، واستقامة خطوتها. بدأ يستثمر أرباح الأعلاف في شراء حاشي (صغار الإبل) من سلالات معروفة بأسعار زهدية نتيجة عدم انتباه أصحابها لبعض علامات السبق فيها، أو لعدم مقدرتهم على تضميرها بالشكل الصحيح.

في إحدى الليالي الشاتية، اشترى صالح بكرة صغيرة كانت تعاني من ضعف عام، بسعر لا يذكر. كرس لها وقته، وعالجها بخبرة استمدها من كبار المكرَمين في المنطقة، واختار لها نظاماً غذائياً دقيقاً. بعد ستة أشهر من التدريب والتضمير الشاق على رمال تبوك، أدخلها في شوط محلي للمبتدئين.

كانت المفاجأة أن البكرة حققت المركز الأول بفارق زمني شاسع. في تلك اللحظة، تحول صالح من مجرد مورّد أعلاف إلى "مضمر" يشار إليه بالبنان.

التحول الكبير: مضامير الخليج وجمع الثروة

فتح ذلك الفوز أبواباً لم تكن في الحسبان. بيعت تلك البكرة لمشترٍ من كبار المهتمين بالهجن في الخليج بمبلغ مالي ضخم كان كفيلاً بإغلاق كافة قضاياه المالية في المحكمة دفعة واحدة.

حين استلم صالح إخلاء الطرف النهائي وشطب اسمه من قائمة المطلوبين تنفيذياً، تنفس الصعداء لأول مرة منذ سنوات. لكنه لم يعُد إلى تجارته القديمة؛ فقد أصبحت الصحراء وميادين الهجن هي ملعبه الحقيقي.

أسس صالح عزبة حديثة وفق أعلى المعايير، واستقطب أفضل الكوادر في تدريب الهجن. بدأ يشتري الفرديات ذات السلالات العريقة، ويشارك بها في مهرجانات الهجن الكبرى في المملكة والخليج، مثل مهرجان ولي العهد للهجن ومهرجان الملك عبد العزيز.

أصبحت إبله تحصد رموزه ورعاياته، وارتفعت قيمتها السوقية لتصل إلى ملايين الريالات. لم يعد صالح مقاول أعلاف، بل أصبح أحد أثرية المنطقة المشار إليهم بالبنان، يملك أسطولاً من الهجن الأصيلة، ويستثمر في العقار والنقل المتقدم.

العودة إلى تبوك: حكمة التجربة

اليوم، حين يمر صالح بسيارته الحديثة أمام الميدان القديم في تبوك، يحرص دائماً على الوقف عند نفس النقطة التي كان ينزل فيها أكياس الشعير في بداية رحلته.

لم تُنسِه الثروة مرارة الأيام الأولى؛ بل جعلت منه رجلاً يزن الأمور بحكمة وفراسة. أصبح يخصص جزءاً من أعماله لدعم الشباب المتعثرين في بداية حياتهم، ممرراً لهم النصح ذاته الذي بنى عليه حياته: "إن الديون والتعثر ليسا نهاية العالم، بل هما أحياناً الوقود الذي يدفعك لاكتشاف طريق لم تكن لتسلكه وأنت في منطقة راحتك".

من ديون خنقته وأحكام شرعية لاحقته، إلى رمال تبوك التي احتضنت تعبه، صاغ صالح قصة نجاح لم تكن تعتمد على الحظ، بل على تحويل المحنة إلى خبرة، والخبرة إلى ثروة.

صالح اسم مستعار حفاظا على الخصوصية 

تعليقات

المشاركات الشائعة