الجوسان : انواعه والوانه وعلاقته بالذهب - الجزء الثالث .

 تابع  للجزء الثاني 

إذا كنت مهتمًا بعلوم الأرض والبحث عن المعادن الثمينة، فلا بد أنك سمعت عن الـجـوسـان  أو ما يُعرف بـ "الغطاء الحديدي". هذا التشكيل الصخري ليس مجرد حجارة ملونة، بل هو خريطة كنز حقيقية وكتاب مفتوح يخبرنا بما يخفيه باطن الأرض.

في هذا المقال، سنبسط معًا مفهوم الجوسان، أنواعه، ودلالات ألوانه وعلاقتها المباشرة بالذهب، بأسلوب سهل وممتع وموثوق.

 أولًا: هل الجوسان أنواع؟ وما هي أنواعه؟

نعم، الجوسان ليس نوعًا واحدًا، ويصنفه الجيولوجيون بناءً على الصخور الأصلية التي نشأ منها وطريقة تشكله إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

 الجوسان الحقيقي : هذا هو الهدف الأثمن لكل باحث. يتكون مباشرة فوق عروق المعادن الكبريتية الضخمة (مثل البيريت والشركوبيريت). بفعل عوامل الجو، تذوب المعادن الأخرى وتُغسل، بينما تتركز المعادن الثمينة كالذهب والفضة في هذا الغطاء الحديدي.

جوسان حقيقي


 الجوسان الزائف :قد يخدع هذا النوع الكثيرين؛ فهو يبدو كالجوسان تمامًا غنيًا بالحديد، لكنه يتكون نتيجة تدفق مياه جوفية محملة بالحديد وترسبها في صخور مسامية عادية، دون أن يكون للصخرة الأصلية أي علاقة بالعروق المعدنية الثمينة.

جوسان زائف


 الجوسان المنقول : في هذا النوع، تتحلل المواد الحديدية بفعل الأمطار والسيول وتنزل من قمم الجبال لتترسب في أماكن أخرى بعيدة. هنا، يحتاج الباحث ل تتبع مسار السيول صعودًا للوصول إلى العرق الأصلي .

جوسان منقول


 ثانيًا: دلالات ألوان الجوسان وعلاقتها بكمية الذهب

تتميز صخور الجوسان بتنوع ألوانها الساحرة، وكل لون منها يعكس طبيعة المعادن التي تحللت، ويعطينا مؤشرًا تقريبيًا عن احتمالية وجود الذهب وكميته:

 اللون الأحمر الداكن إلى الطوبي (الهيماتيت):

   يعتبر هذا اللون من أقوى وأجمل المؤشرات ميدانيًا. هو دليل على وجود بيئة أكسدة شديدة، وغالبًا ما يرتبط بعروق الكوارتز الحاملة للذهب الحر. إذا وجدته، فهذا مؤشر ممتاز جدًا يعزز احتمالية وجود كميات طيبة.

الجوسان الاحمر الداكن


 اللون الأصفر إلى البني المصفر (الليمونيت والجاروسيت):

   هذا اللون ينتج عادة عن تحلل معدن البيريت (الذي يُعرف كذبا بذهب المغفلين). ورغم أن البيريت نفسه ليس ذهبًا، إلا أنه في الأعماق يكون "الحاضن" الأساسي لجزيئات الذهب الحقيقي. تحلله وظهور هذا اللون الأصفر يعني أن الذهب قد تحرر وبقي محبوسًا في مسامات الصخر المتبقي.

الجوسان الاصفر البني


 اللون البني الشوكولاتة الداكن (أكاسيد المنجنيز):

   مؤشر جيولوجي بالغ الأهمية. كيميائيًا، تلعب أكاسيد المنجنيز دورًا رئيسيًا في تجميع الذهب وفصله وتثبيته في مكان واحد أثناء عمليات التجوية؛ لذلك فإن اللون البني الشوكولاتي الداكن يرتبط بوجود عروق غنية ومتركزة.

الجوسان البني الشيكولاته


 اللون الأخضر أو الأزرق المخضر (المالاكيت والأزوريت):

   هذه الألوان تدل مباشرة على وجود معدن النحاس. وفي طبيعة عروق المعادن، غالبًا ما يترافق النحاس والذهب معًا في نظام بيئي واحد (نظام الذهب-النحاس المركب)، مما يجعل وجود هذه الألوان مشجعًا للغاية للبحث عن المعدن الأصفر.

الجوسان الاخضر


نصيحة ذهبية للميدان: الصخور الأعلى احتمالية لاحتواء كميات اقتصادية هي الصخور **المرقشة** (التي تجمع عدة ألوان معًا كالأحمر والبني والأصفر) وتتميز ببنية إسفنجية مليئة بالفجوات الخالية، ما يعني أن المعادن الرخيصة ذابت وتركت الذهب الثقيل خلفها في تلك الفجوات.

ثالثًا: طبيعة الذهب في الجوسان (ناقر أم ميكروسكوبي؟)

يتساءل الكثيرون: هل يمكنني رؤية الذهب بالعين المجردة في الجوسان؟ الإجابة هي أن الجوسان يحتوي على **النوعين معًا**، ولكل نوع طبيعته:

 الذهب الميكروسكوبي (المجهري الدقيق): هو الأكثر انتشارًا في هذه الصخور. يكون الذهب عبارة عن غبار مجهري دقيق جدًا نتج عن تحلل صخور البيريت والكوارتز. هذا النوع لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، بل يحتاج إلى عمليات طحن دقيقة ومعالجة كيميائية صحيحة لفصله وترسيبه.

 الذهب الناقر (الحبيبي أو المرئي): ويُعرف جيولوجيًا بـ "الذهب الثانوي". يحدث هذا عندما تقوم مياه الأمطار الغنية ببعض الأحماض الطبيعية بإذابة جزيئات الذهب الميكروسكوبي وإعادة تجميعها وترسيبها داخل الفجوات الإسفنجية للصخر ليتشكل على هيئة قشور أو حبيبات صغيرة (ناقر) يمكن رصدها بالعدسة المكبرة أو فصلها بالطرق الميكانيكية التقليدية مثل الطحن والغسيل بالجاذبية (المنخل أو طبق الهز).

في النهاية، يظل الجوسان علمًا واسعًا يجمع بين متعة الاستكشاف الميداني ودقة التحليل الكيميائي. نتمنى لكم دائمًا رحلات ميدانية ممتعة وموفقة في هذه الأجواء الجميلة!


المراجع والمصادر

1. جيولوجيا الجوسان ونشأة الأغطية الحديدية

  • كتاب "جيولوجيا الذهب ورواسبه" (R. W. Boyle): المرجع العالمي الأضخم لتفسير كيمياء الجوسان الحقيقي وكيفية تركز الذهب والفضة في الفجوات الصخرية بعد ذوبان الكبريتيدات.
  • كتاب "كيمياء الجيولوجيا التطبيقية واستكشاف المعادن" (M. Hale): يشرح بالتفصيل الفوارق الجوهرية بين الجوسان الحقيقي، الزائف، والمنقول، وديناميكية حركة المياه الجوفية.
  • أدلة هيئة المساحة الجيولوجية السعودية (SGS): الأبحاث والمسوح الميدانية المخصصة لرصد نطاقات التمعدن والأغطية الحديدية فوق صخور الدرع العربي.

2. دلالات الألوان والبنية الصخرية الفجوية (Boxwork)

  • كتاب "تفسير بنية الجوسان الفجوية" (Blanchard): الكتاب الأكاديمي الكلاسيكي الأشهر الذي يشرح كيفية قراءة الأشكال الهندسية للفراغات (المكعبة والمعينية) لتحديد نوع المعدن الأصلي (البيريت والكالكوبيريت).
  • كتاب "الاستكشاف الجيولوجي الميداني" (J. G. McPhie): يفصل في كيمياء أكاسيد الحديد والمنغنيز وتفسير الألوان المرقشة (الهيماتيت، الليمونيت، والجاروسيت) وعلاقتها بـ "ورنيش الصحراء".
  • أبحاث مجلة "الجيولوجيا الاقتصادية" (Economic Geology): دراسات علمية موثقة حول دور أكاسيد المنغنيز في تثبيت وتركز حبيبات الذهب وتشكيل الذهب الثانوي (الناقر).

3. البيئات الحاضنة وتكنولوجيا استخلاص الذهب

  • كتاب "دليل تعدين واستخلاص الذهب" (M. D. Adams): المرجع الشامل الذي يشرح طبيعة الذهب الميكروسكوبي والنانوي داخل الكبريتيدات وطرق فصله بالسيانيد مقارنة بالذهب الحبيبي.
  • كتاب "رواسب كبريتيدات المعادن الضخمة البركانية (VMS)" (Galley et al.): يشرح البيئات الجيولوجية الفريدة التي يتكون فيها الجوسان منفرداً دون الحاجة لوجود عروق الكوارتز (المرو).
  • أبحاث جمعية الجيولوجيين التطبيقيين (SGA): أوراق بحثية حول أحزمة الصخور الخضراء، الفوالق، ونطاقات القص، ودورها كمداخن طبيعية لصعود المحاليل الحارة المحملة بالذهب والنحاس.
مدونة ركازات 


تعليقات