قصة واقعيه : صقر ينقذ رجل مسن من السجن

 

صقر حر
صقر حر


الجزء الأول: ضيق الحال ومقناص الفرصة الأخيرة

في قلب الصحراء الواسعة، حيث تشتد قسوة الحياة وتتوارى الخيارات، عاش أبو محمد؛ رجلٌ تجاوز الستين من عمره، يحمل على كاهله ثقل أسرة كبيرة ومسؤوليات لا تنتهي. كان أبو محمد معدم الحال، لا يملك من الدنيا حطاماً، لكنه كان يملك شغفاً فريداً يسرع نبضات قلبه كلما حل الخريف: عشق شبك الصقور.

دارت به الأيام وضاق به الحال، ولم يجد مفراً لقمة عيش عياله إلا أن يشتري قطيعاً من الغنم بالدين (بالأجل). لم يكن الأمر سهلاً، فالضمانات كانت شيكات مؤجلة، والسيف المسلط على عنقه هو السجن المحتم إن عجز عن السداد. حدد الدائنون شهر أكتوبر موعداً نهائياً للدفع، وهو المفارقة ذاتها، بداية "موسم الصقور".

شد أبو محمد رحاله نحو البرية كعادته كل سنة، يحدوه الأمل وترافقه دعوات عياله. استعان بابن أخيه، شابٌ لم يبلغ العشرين من عمره، جاء ليساعد عمه الطاعن في السن ويخدمه في رحلة المقناص. مرت الأيام سريعة، وحلّ موعد الشيكات الثقيل وأبو محمد لا يملك في جيبه درهماً واحداً.

في تلك الليلة الحرجة، تفاجأ أبو محمد بحضور أصحاب الدين أنفسهم إلى موقع مقناصه في جوف البر. ورغم انكساره وضيق ذات يده، تجلت شيم العرب وأصالتهم في عروقه؛ فاستدان ذبيحةً على الفور وطبخ لهم عشاءً فاخراً احتفاءً بهم. كان يعلم في قرارة نفسه أن الموعد يفصله عنه يومان فقط، وأن هؤلاء الرجال لن يتنازلوا عن حقهم أو يؤجلوا حبسه، ولو ذبح لهم قطيعاً كاملاً من الغنم. طلب منهم المبيت في خيمته، وفعلاً نام الضيوف وهم يخططون لكيفية سوقه إلى السجن في الغد.

الجزء الثاني: فرجٌ من السماء وجودٌ في المضمام

مع تباشير الصباح الباكر، وفور الفراغ من صلاة الفجر والضيوف ما زالوا يغطون في نوم عميق، تحركت في قلب أبي محمد عزيمة اليقين. أخذ حمامةً جهز عليها شبكته، وركب سيارته المتهالكة التي تنبئ عن حاله، وابتعد عن الخيمة مسافة كافية. كانت المنطقة تعج بخيام الصقارين، وتنتشر فيها خيام تجار الخليج المستعدين لشراء الثمين من الصيد.

التقطت عينا أبا محمد الخبيرتين حركةً عند جانب الشعيب؛ إنه طير من النوادر يحوم في المدى. بقلبٍ يرتجف بين الخوف والرجاء، رمى له الحمامة. وما هي إلا لحظات حتى وقع الطير في الشرك. أسرع إليه أبو محمد، وبلهفة الصقار وحرصه، لفّه بشماغه بعناية فائقة لئلا تتأذى ريشة واحدة من ريشه الثمين.

لم يغب المشهد عن أعين التجار الذين يراقبون الأجواء بمنظارهم. انطلقوا نحوه يباركون ويهنئون. سُحروا بجمال الطير وندرته وعرضوا الشراء فوراً. أظهر أبو محمد رباطة جأشٍ وأخذ يجادلهم في السعر ويمد حبال التفاوض حتى حُسمت البيعة بمبلغٍ خيالي؛ كان ثمن الطير ثلاثة أضعاف الدين الذي يقض مضجعه!

عاد أبو محمد إلى خيمته والبهجة تملأ صدره، وجد ضيوفه (الدائنين) لا زالوا نائمين. بهدوء الواثق، أعد القهوة والفطور، ثم أيقظهم بكل حفاومة، وأفطروا. وما إن انتهوا حتى مد يده وأسلمهم أموالهم كاملة غير منقوصة، واسترد شيكاته وقذف بها في النار أمام أعينهم المندهشة، لتتحول خيوط السجن إلى رماد.

بعد رحيلهم، أيقظ ابن أخيه وزفّ إليه البشرى، فكاد الشاب يطير فرحاً وسروراً. لكن حكمة أبي محمد لم تقف عند النجاة؛ بل حزم أمره وقال لابن أخيه:

"يا ولدي، هذا الرزق سوقه نصفين؛ نصفٌ لنا (وكان النصف الأكبر من نصيب الشاب مكافأة لوفائه)، أما النصف الآخر فخذه وفتش به عن الصقارين حولنا، وزعه عليهم كلٌ حسب حاجته.. فالشوق للمقناص كلفهم الكثير، وأغلبهم فقراء حالتهم لا يعلمها إلا الله".

وهكذا، تحول موسم السجن والضيق، بفضل الصبر والشهامة وتوفيق الله، إلى موسمٍ للفرج والفضل والجود الذي عمّ صحراء القناصين بأكملها.

مدونة ركازات 

تعليقات